علم النفس المرضي : دليلك إلى فهم الإضطراب النفسي

الكاتب rachid
6٬846 مشاهدة

يعود أصل مصطلح علم النفس المرضي Psychopathology إلى سنة 1913 عندما تم تقديم هذا التخصص العلمي لأول مرة من قبل كارل ياسبرز Karl Jaspers، وهو فيلسوف ألماني – سويسري وطبيب نفساني. ويعود هذا الإطار الجديد لفهم التجربة الذهنية للأفراد إلى تاريخ طويل من المحاولات المتنوعة لفهم “التجارب المرضية” لدى الأفراد.

تاريخ فهم الإضطرابات النفسية

لقد قطعنا شوطًا طويلاً منذ البدايات الأولى لمحاولة فهم الإضطرابات النفسية والعقلية، وعلى الرغم من أن الأفراد الذين يعانون من مشاكل الصحة النفسية والعقلية لا يزالون يقابلون بنظرة نقص وقلة فهم، إلا أن الأمور كانت مختلفة تمامًا في الماضي.

فـأبقراط Hippocrates، الطبيب اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد، رفض فكرة الأرواح الشريرة وقال بدلاً من ذلك أن المرض العقلي هو مرض في الدماغ يتعلق باختلالات السوائل الجسدية. وفي الوقت نفسه تقريبا، جادل الفيلسوف أفلاطون Plato أن الضيق ناتج عن خلل في العلاقة بين الروح والعقل والجسد.

فإذا كنت تعيش في القرن السادس عشر بمشكلة الصحة النفسية أو العقلية، فمن المحتمل ألا تتم معاملتك على نحو جيد. ففي ذلك الوقت، كان ينظر إلى المرض العقلي من وجهة نظر دينية أو خرافية. وتبعا لذلك، فالأشخاص الذين يحملون سلوكا غريبا تتملكهم أرواح شريرة أو شياطين.

العلاج؟ حسنا، يمكن أن تتعرض للتعذيب كمحاولة لإعادتك إلى عقلك. وإذا لم ينجح ذلك؟ يتم الإعدام.

وفي وقت لاحق، من القرن الثامن عشر، زاد الاهتمام بدور مرحلة الطفولة والصدمات النفسية وعلاقتهما بتطور الإضطرابات النفسية والعقلية. وفي أعقاب هذا العصر، قدم سيغموند فرويد العلاج بالكلام talk therapy خلال القرن التاسع عشر للتعامل مع القضايا التي لم تحل بعد.

أنظر المقال التالي : ماذا تعرف عن العلاج النفسي؟

اعتبارا من يومنا هذا، اتسع نطاق فهمنا للإضطرابات النفسية والعقلية، ولحسن الحظ، هناك علاجات أيضا.

تعريف علم النفس المرضي

كيف نحدد حاليا علم النفس المرضي؟ باختصار، يمكن اعتباره الدراسة المعمقة للمشاكل المتعلقة بالصحة النفسية والعقلية. تمامًا مثل علم الأمراض هو دراسة طبيعة المرض (بما في ذلك الأسباب والتطور والنتائج)، فإن علم النفس المرضي هو دراسة نفس المفاهيم داخل مجال الصحة النفسية والعقلية (أو المرض).

يمكن أن تشمل هذه الدراسة للإضطراب النفسي أو العقلي قائمة طويلة من العناصر: الأعراض، والسلوكيات، والأسباب (وراثية، بيولوجية، اجتماعية، ونفسية)، المنهج، التطور، التصنيف، العلاجات، الاستراتيجيات، وغير ذلك.

وبهذه الطريقة، يدور علم النفس المرضي حول استكشاف المشكلات المتعلقة بالصحة النفسية والعقلية : كيفية فهمها، كيفية تصنيفها، وكيفية إصلاحها.

ولهذا السبب، يمتد موضوع علم النفس ككل من البحث إلى العلاج، وما بينهما. فكلما تمكنا من فهم سبب تطور الاضطراب النفسي والعقلي، كلما كان من الأسهل العثور على علاجات فعالة.

المهنيين المساهمين في حقل علم النفس المرضي

أي المهنيين يشاركون في فهم علم النفس المرضي؟

بما أن هذا المجال واسع النطاق من البحث إلى العلاج، فكذلك الحال مع قائمة المهنيين المعنيين بهذا المجال.

على مستوى البحث، سوف تجد علماء النفس والأطباء النفسيين وأطباء الأعصاب وغيرهم ممن يحاولون فهم مختلف مظاهر الاضطرابات النفسية التي تظهر في الممارسة الإكلينيكية.

وعلى مستوى الممارسة، ستجد العديد من أنواع المهنيين الذين يحاولون تطبيق أنظمة التشخيص الموجودة لتوفير علاجات فعالة للأفراد المصابين بالإضطرابات النفسية والعقلية. ويمكن أن يشمل ذلك ما يلي أوأكثر:

  • علماء النفس الإكلينيكيين
  • الأطباء النفسيين
  • المستشارين
  • الممرضون النفسيون
  • الممرضون الممارسون
  • المعالجين الأسريين
  • علماء الجريمة
  • علماء الاجتماع

أنظر المقال التالي : كيف تصبح عالم نفس ؟

نظم التشخيص في علم النفس المرضي

يجب على المهنيين العاملين في مجال البحث والعلاج داخل حقل علم النفس المرضي أن يستخدموا الأنظمة للوصول إلى استنتاجات بشأن أفضل طرق العلاج. وتُستخدم أنظمة كهذه لتصنيف ما يُعتبر اضطرابات الصحة النفسية والعقلية أو المشكلات التي تحدث لدى الفرد والتي لا تخضع لسيطرته المعرفية.

وحاليا، الأنظمة الأكثر استخداما لتصنيف الإضطرابات النفسية والعقلية بالعالم هي كالتالي :

الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية والعقلية (DSM-5)

تم إنشاء DSM-5 من قبل الجمعية الأمريكية للطب النفسي كنظام تقييم للاضطرابات النفسية والعقلية. ويتضمن DSM-5 معايير محددة يستخدمها المهنيون للتوصل إلى تشخيص محدد للفرد، حيث يساعد ذلك في التخطيط للعلاج.

وتتغير معايير وقائمة الاضطرابات مع ظهور أبحاث جديدة. وبعض الأمثلة للاضطرابات المدرجة في DSM-5 تشمل اضطراب الاكتئاب الشديد major depressive disorder والاضطراب الثنائي القطب bipolar disorder وطيف الفُصام Schizophrenia Spectrum و اضطراب الشخصية البارانوية Paranoid personality disorder و اضطراب القلق الاجتماعي Social anxiety disorder .

أنظر المقال التالي : كل ما تود معرفته حول الدليل التشخيصي والإحصائي DSM

التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)

ICD-11 هو نظام مشابه لنظام DSM-5. تم تطوير التصنيف الدولي للأمراض قبل أكثر من قرن وتولت إدارته منظمة الصحة العالمية (WHO) عندما تأسست عام 1948.

كيف يختلف ICD-11 عن DSM-5؟

أولاً، يتم إنتاج ICD-11 بواسطة وكالة عالمية، بينما يتم إنتاج DSM-5 من قبل جمعية مهنية وطنية (الجمعية الأمريكية للطب النفسي). ICD-11 تمت الموافقة عليه من قبل جمعية الصحة العالمية World Health Assembly المؤلفة من وزراء الصحة من 194 دولة عضو في منظمة الصحة العالمية.

ثانياً، هدف ICD-11 هو تقليل عبء المرض على مستوى العالم. ثالثًا، ICD-11 متاح مجانًا على الإنترنت، بينما DSM ليس أداة مجانية، حيث تستمد الجمعية الأمريكية للطب النفسي إيراداتها من مبيعات الكتاب والمنتجات ذات الصلة.

ومع ذلك، فإن DSM-5 هو معيار تصنيف الإضطرابات بين علماء النفس والأطباء النفسيين ويستخدم بشكل عام في العلاج وأغراض التأمين.

أنظر المقال التالي : قائمة الاضطرابات النفسية كما تضمنها DSM-5

معايير مجال البحث Research Domain Criteria المعروف اختصارا بـ (RDoc)

إلى جانب هذه الأنظمة التصنيفية للاضطرابات النفسية والعقلية، هناك أيضًا مجال مزدهر، قائم على الأبحاث والنظريات، كما يبتعد عن شكل مراجعة القوائم في إجراء التشخيص. وبما أنه من الممكن أن تظهر لديك أعراض الإضطراب النفسي، لكن هذه الأعراض لا تفي بمعايير التشخيص، فإن الدراسة الوصفية لعلم النفس المرضي تبشر بتحسن نظام فهم الإضطرابات.

ويعتمد RDoC على الأبحاث الحديثة من مجالات مثل علم الأعصاب، وعلم الوراثة، وعلم النفس التجريبي. وبهذه الطريقة، يشارك RDoC في وصف علامات وأعراض الإضطرابات النفسية بدلاً من تجميعها في مجموعات كما حدث تاريخياً مع DSM-5 و ICD-11. ويهدف RDoC في المقام الأول إلى التخطيط وتمويل الأبحاث.

التمييز بين الاضطرابات النفسية والسلوك الطبيعي

كيف يقرر علماء النفس والأطباء النفسيون ما يمتد إلى ما هو أبعد من السلوك الطبيعي للدخول إلى نطاق “الإضطرابات النفسية”؟

يمكن تصور الاضطرابات النفسية على أنها تشير إلى مشاكل في أربع مجالات : الانحراف، الضيق، الخلل الوظيفي، وعامل الخطر.

على سبيل المثال، إذا كنت تعاني من أعراض الاكتئاب وتوجهت إلى أخصائي نفسي أو طبيب نفسي، فسيتم تقييمك وفقًا لقائمة الأعراض (على الأرجح تلك الموجودة في DSM-5):

  • الانحراف Deviance يشير إلى الأفكار أو الإنفعالات أو السلوكيات غير المقبولة أو غير الشائعة بناءً على المعتقدات الثقافية السائدة. وفي حالة الاكتئاب، يمكنك الإبلاغ عن الإحساس بالذنب أو عدم القيمة، أو أفكار أخرى مما ليس شائعا بين الأفراد الآخرين.
  • الضيق Distress يشير إلى المشاعر السلبية إما التي يختبرها الفرد داخليا أو تلك الناتجة عن الأشخاص المحيطين به. وفي حالة الاكتئاب، قد تبلغ عن مشاعر شديدة من الحزن أو الضيق.
  • الاختلال الوظيفي Dysfunction  يشير إلى عدم القدرة على أداء الوظائف اليومية مثل الذهاب إلى العمل. وفي حالة الاكتئاب، قد تشير إلى أنه لا يمكنك مغادرة سريرك في الصباح أو أنك تستغرق وقتا أطول بكثير مما يجب في أداء المهام اليومية.
  • الخطر Danger يشير إلى السلوك العنيف تجاه نفسك أو تجاه الآخرين. وفي حالة الاكتئاب، قد يشمل ذلك الإبلاغ عن وجود أفكار انتحارية أو إيذاء النفس.

وبهذه الطريقة، يمكنك أن ترى أن التمييز بين السلوك العادي والاضطراب النفسي يكمن في كيفية تأثير القضايا عليك أو على الأشخاص من حولك. وفي كثير من الأحيان، لا يتم إجراء التشخيص إلا عندما تصل الأمور إلى نقطة الأزمة، لأن هذا يحدث عندما تُظهر هذه الجوانب نفسها بشكل جلي.

أنظر المقال التالي : الإكتئاب الإكلينيكي : الأعراض، التشخيص والعلاج

الأبعاد مقابل الفئات

من السهل أن نرى أن هناك بعض الخلاف تاريخيا حول ما يشكل الإضطراب النفسي. وفي الوقت نفسه، حتى في المجال الحالي، هناك خلاف حول كيفية تصور الإضطراب النفسي.

هل توجد بالفعل اضطرابات مختلفة، بحيث يمكن تمييز شخص يعاني من اضطراب نقص الانتباه (ADHD) بشكل حازم عن شخص آخر يعاني من اضطراب القلق؟

أم أن هناك عوامل شاملة عالية المستوى تلعب دوراً في الإضطراب النفسي والتي قد تفسر بشكل أفضل سبب تشخيص بعض الأفراد باضطرابات عديدة (تسمى الاعتلال المشترك Comorbidity

وقد لاحظ البعض هذه المشاكل الكامنة في نهج “قوائم الأعراض” داخل مجال الصحة النفسية والعقلية.

ولسوء الحظ، لسنا قريبين حاليًا من حل هذه المشكلة. لكننا كمجتمع نفسي نأمل، في المستقبل، أن يتم تطوير أنظمة أفضل تأخذ كل هذه القضايا في مجال علم النفس المرضي بعين الاعتبار.

أنظر المقال التالي : إضطراب طيف الفُصام (السكيزوفرينيا)

إقرأ أيضا

3 تعليقات

RufidaAbdalrhman يونيو 30, 2020 - 9:57 م

جزاك الله خيرا

رد
Rachid Boutkira يونيو 30, 2020 - 10:05 م

هذا واجب

رد
AMAL TARAF يناير 10, 2021 - 1:03 م

معلومات قيمة بامتياز لك كامل الشكر استاذ وعلى حسن مشاركتك لنا للمعلومة

رد

اترك تعليقا