تجارب الإقتراب من الموت

الكاتب rachid
1٬340 مشاهدة

تجارب الإقتراب من الموت Near-death experiences أو (NDE) تعد موضوع اهتمام وشعبية متنامية، لا سيما في أعقاب الأفلام والكتب التي تحكي عن تجارب الخروج من الجسم وغيرها من الأحاسيس التي يواجهها الناس أثناء المواقف التي تهدد حياتهم.

وهناك أهمية خاصة لكتابين كتبهما الأطباء حول تجارب الاقتراب من الموت.

على سبيل المثال، في كتاب”الدليل على الجنة Proof of Heaven“، يروي الدكتور وجراحة الأعصاب الأمريكي إبن ألكسندر Eben Alexander ما عاشه أثناء غيبوبة استمرت أسبوعًا نتجت عن التهاب السحايا.

وفي كتاب “الذهاب والعودة من الجنة To Heaven and Back“، تناقش الطبيبة ماري نيل Mary C. Neal تجربتها حول الإقتراب من الموت أثناء غرقها في النهر بعد حادث التجديف.

وقد أمضى كلا الكِتابين قدرا كبيرا من الوقت على قائمة أفضل الكتب مبيعا في نيويورك تايمز، مما يدل على أن هذا الموضوع لم يكتسب اهتمام العالم فحسب، بل يتطلب إجراء أبحاث إضافية من قبل المجتمع الطبي.

وبعد تجربته هذه، درس الدكتور ألكساندر المخططات الطبية الخاصة به وتوصل إلى استنتاج مفاده أنه كان في غيبوبة عميقة لدرجة أن دماغه كان متوقفا تماما. إنه يعتقد أن الطريقة الوحيدة لشرح ما عاشه هو قبول أن روحه انفصلت عن جسده وسافر إلى عالم آخر.

ما هي تجربة الإقتراب من الموت؟

من الأضواء الساطعة والدفء إلى الانفصال عن الجسم، واستحضار ذكريات الماضي flashbacks، واللقاءات مع الملائكة والكائنات الأخرى، هذه هي بعض الأشياء التي يختبرها الأشخاص الذين عانوا من الإقتراب من الموت. والأكثر من ذلك، أن الأشخاص الذين مروا بهذه التجارب يبلغون أن تجربتهم لم تكن شبيهة بالحلم ولم تكن مجرد هلوسة hallucination، بل كانت أكثر واقعية من الحياة الحقيقية نفسها.

وفي حين أن تجارب الاقتراب من الموت هذه ظاهرة معروفة على نطاق واسع، إلا أن هناك الكثير من الأشخاص الذين يشككون في صحة تجارب الاقتراب من الموت. وبالنسبة للنقاد، فإن القصص عن تجارب الاقتراب من الموت، أو تجارب الخروج من الجسم out-of-body experiences كما يطلق عليها أحيانًا، تصنَّف الأولى بين قصص القوى النفسية، وقصص الأرواح الشريرة، وعمليات الاختطاف الغريبة، وغيرها من القصص.

النظريات المفسرة

الدماغ معقد وشديد الحساسية في آن واحد. على سبيل المثال، إذا تم تقليل الأكسجين على الدماغ حتى ولو بكمية صغيرة، فسوف يتأثر الدماغ على الفور تقريبًا. نتيجة لذلك، يشير العديد من العلماء إلى أن تجارب الاقتراب من الموت هي نتيجة لتغيرات معينة على مستوى الدماغ، مثل نقص الأكسجين، والتي تحدث عندما يكون الدماغ متوتراً أو يحتضر.

فقدان الأكسجين

وهي نظرية تقول أن هذه التجارب ناتجة عن فقدان الأكسجين، ومشاكل التخدير، والاستجابات الكيميائية العصبية neurochemical responses للجسم نتيجة الصدمة trauma. ولكن الأشخاص الذين مروا بتجربة الإقتراب من الموت يقولون إن هذه التفسيرات غير كافية ولا تفسر أو حتى تقترب من تفسير ما مروا به.

من الواضح أن تجارب الاقتراب من الموت مثيرة للاهتمام من الناحية العلمية. بالإضافة إلى ذلك، ومع التقدم في المهارات والتقنيات الطبية، أصبح الأطباء الآن قادرين على إعادة وإنقاد الناس من حافة الموت. لذلك، يبدو من المعقول أنه سيكون هناك ارتفاع في عدد تجارب الاقتراب من الموت.

النجاة من الصعاب

على سبيل المثال، هناك تقارير عن أشخاص يتعافون تمامًا بعد قضاء ساعات دون تنفس أو نبض، أو دفنوا تحت الثلج، أو غرقوا في مياه باردة جداً. في الواقع، يمكن للجراحين خلق مثل هذه الظروف عن عمد. ليس فقط برودة جسم المريض أو إيقاف قلبه لإجراء عملية خطيرة، ولكنهم بدأوا أيضًا بتجربة هذه التقنيات على المرضى المصابين بجروح خطيرة. إنهم يبقونهم بين الحياة والموت حتى يتم إصلاح جروحهم بشكل كاف.

الوعي بالتخدير

نتيجة لذلك، غالبًا ما يكون لدى الناس قصة يرويونها عن تجربتهم. في كثير من الأحيان، ينسب الأطباء هذه التجارب إلى “الوعي بالتخدير anesthesia awareness“، حيث يقولون إنه يحدث لدى حالة واحدة لكل 1000 حالة. ويحدث الوعي بالتخدير عندما يكون المرضى تحت التخدير ولكن لا يزال بإمكانهم سماع أصوات المحادثة أو سماع الموسيقى أثناء تشغيلها في غرفة العمليات.

ماذا يقول البحث؟

تعود أول رواية مكتوبة عن تجارب الاقتراب من الموت إلى العصور الوسطى على الأقل، بينما يصر بعض الباحثين على أن الموضوع يصل أصله إلى العصور القديمة. في الواقع، نشرت المجلة الطبية “الإنعاش Resuscitation” سردًا موجزًا ​​لأقدم وصف طبي معروف لتجربة الإقتراب من الموت كتبه طبيب عسكري فرنسي في القرن الثامن عشر. ومع ذلك، يقال إن معظم الأبحاث الحديثة حول تجارب الاقتراب من الموت قد بدأت في عام 1975.

الباحثون من جامعة ساوثهامبتون

على الرغم من وجود عدد قليل جدًا من الدراسات الموضوعية حول تجارب الاقتراب من الموت، إلا أن العديد منها قدم بعض الأفكار الأولية حول هذه التجارب. على سبيل المثال، أجرى باحثون من جامعة ساوثهامبتون دراسة دولية مدتها أربع سنوات على أكثر من 2000 مريض مصاب بالسكتة القلبية. ونشرت النتائج والاستنتاجات الأولية في مجلة الإنعاش Resuscitation.

خلال الدراسة، التي يشار إليها باسم AWARE (الوعي أثناء الإنعاش awareness during resuscitation)، درس الباحثون مجموعة واسعة من حالات الوعي والخبرات العقلية المرتبطة بالسكتة القلبية. ومن بين 2060 مريض موضوع الدراسة، نجا 330 منهم من السكتة القلبية و 140 منهم تمكن الباحثون من معرفة ذكرياتهم حول الحدث من خلال المقابلات interviews.

الوعي مقابل الذكريات

لقد اكتشف الباحثون أن ما يقرب 40 في المئة من هؤلاء الأفراد وصفوا بعض الوعي بالوقت قبل الإنعاش، أو عندما توقفت قلوبهم عن الضرب. وغالبية هؤلاء المرضى لم يكن لديهم أي ذكريات محددة حول هذا الحدث. وما يوحي إليه الموضوع هو أن العديد من الأشخاص يمارسون نشاطًا عقليًا أثناء السكتة القلبية، لكنهم يفقدون ذكرياتهم حول هذا النشاط بعد التعافي من السكتة. و وفقًا للأطباء الذين أجروا الدراسة، قد يكون هذا بسبب إصابة الدماغ أو العقاقير التي تشبه المهدئات.

على سبيل المثال، يُعرف الكيتامين Ketamine، وهو دواء يستخدم غالباً كمسكن أو للتخدير العام، بأنه يجعل الناس يشعرون بشكل قوي بالانفصال عن أجسادهم وكذلك شعورًا بالسلام أو الفرح. في الواقع، فإن حالة الهدوء التي يتعرضون لها عند استخدام الكيتامين غالباً ما تكون مشابهة جدًا لتجارب الإقتراب من الموت.

ومن المثير للاهتمام، وجدت الدراسة أيضًا أن 46 في المائة من الأفراد عانوا من ذكريات تتعلق بالموت لكنها غير متوافقة مع كيفية وصف الناس لتجارب الإقتراب من الموت. وفي الواقع، ذكر البعض أنهم خائفون أو يشعرون وكأنهم يتم جرهم إلى المياه العميقة. وفقط 9 في المئة من الأفراد لديهم تجارب تشبه تجارب الاقتراب من الموت و 2 في المئة لديهم تجربة الخروج من الجسم بما في ذلك الإستماع والنظر إلى الأحداث.

تجارب المرضى

في حالة واحدة، كان هناك وعي consciousness يبدو أنه حدث خلال فترة ثلاث دقائق عندما لم يكن هناك دقات قلب. ووجد الباحثون أن هذا الاكتشاف متناقض لأن الدماغ يتوقف عادة عن العمل في غضون 20 إلى 30 ثانية بعد توقف القلب ولا يبدو أنه يستأنف مرة أخرى حتى تتم إعادة تشغيل القلب. لذلك، تشير حقيقة أنه قد يكون هناك بعض نشاط الدماغ إلى حدوث شيء ما. وبشكل عام، لم يتمكن الباحثون من اكتشاف أن تجارب الاقتراب من الموت تحدث بشكل مؤكد.

وفي الأخير، يقترح الباحثون أن الدراسات المستقبلية يجب أن تركز على السكتة القلبية، والتي تعتبر مرادفًا حيويًا للموت بدلاً من الحالات الطبية التي يشار إليها أحيانًا باسم “الإقتراب من الموت”.

البحث في جامعة جورج واشنطن

وفي الوقت نفسه، فحصت دراسة أخرى نشاط الدماغ لسبع حالات مصابين بأمراض خطيرة تم إزالتهم من جهاز دعم الحياة. وعن طريق استخدام تخطيط أمواج الدماغ (EEG) لتسجيل النشاط الكهربائي العصبي، وجد الباحثون تصاعد بالنشاط العصبي في وقت الوفاة أو بالقرب منها على الرغم من فقدان ضغط الدم وانخفاض نشاط الدماغ قبل فترة وجيزة.

و وفقًا للباحثين، يحدث هذا التصاعد في الوقت الذي نتوقع فيه موت الدماغ بسبب نقص تدفق الدم. وبعد فترة وجيزة من توقف نشاط الدماغ، يتم الإعلان عن موت المريض.

ويتوقع الباحثون أنه مع تباطؤ تدفق الدم ونفاد الأكسجين، لم تعد الخلايا قادرة على الحفاظ على شحنتها. وما يحدث بعد ذلك هو سلسلة من النشاط الذي يمتد عبر الدماغ. وإذا حدثت هذه “النوبات seizures” في مناطق الذاكرة بالدماغ، فقد يفسر ذلك الذكريات الحية التي يبلغ عنها الناس عندما يتم إنعاشهم.

إقرأ أيضا

اترك تعليقا