تأثير زيجارنيك: أجل عمل اليوم إلى الغد!

الكاتب rachid
4٬213 مشاهدة

هل وجدت نفسك يوما تفكر في الأعمال غير المكتملة؟ ربما تدور هذه الأفكار حول مشروع عمل تم الانتهاء منه جزئيًا ويبقيك مستيقظًا في الليل أو حبكة لرواية قد قرأت منها النصف. هناك سبب يجعل من الصعب للغاية التوقف عن التفكير في المهام غير المكتملة والمُقاطَعة.

هذا ما يسميه علماء النفس بـ تأثير زيجارنيك، أو الميل لتذكر المهام غير المكتملة بشكل أفضل مقارنة بالمهام التي تم الإنتهاء من إنجازها.

تأثير زيجارنيك

عندما تبدأ العمل على شيء ما ولكن لا تكمله، فإن أفكار العمل غير المكتمل تستمر في الظهور فجأة في ذهنك حتى عندما تنتقل إلى القيام بأعمال أخرى. هذه الأفكار تحثك على العودة وإنهاء الشيء الذي بدأت بفعله سابقا. وهذا هو السبب في أنك لا تزال تفكر في ذلك، أو لماذا قد ترغب في إنهاء لعبة فيديو حتى تربح! يستمر العمل غير المكتمل في تأثيره، حتى عندما نحاول الانتقال إلى أشياء أخرى.

تستفيد المسلسلات التلفزيونية الطويلة “Opera Soap” ومسلسلات درامية أخرى من هذا التأثير. فقد تنتهي الحلقة، ولكن القصة لم تنته بعد. ويترك التشويق المشاهدين حريصين على معرفة المزيد، وبفضل تأثير زيجارنيك، سوف يتذكرون العودة للمشاهدة في المرة القادمة لمعرفة المزيد مما يحدث.

ربما تكون قد واجهت هذا التأثير أيضًا أثناء تواجدك في المدرسة. قبل الامتحان، من المحتمل أن تستدعي المعلومات التي كنت تدرسها بشكل جيد. وبعد الامتحان، يواجه الطلاب صعوبة في تذكر كل الأشياء عن ما درسوه. فنظرًا لأنه لم يعد لديك استخدام فوري لهذه المعلومات، فإنها تبدو أحيانًا وكأنها قد تم إخراجها من ذاكرتك.

أنظر المقال التالي: مدخل إلى الذاكرة: ما هي الذاكرة وكيف تعمل؟

كيف تم اكتشاف تأثير زيجارنيك؟

تم وصف التأثير بواسطة عالمة نفس روسية تدعى بلوما زيجارنيك Bluma Zeigarnik، بعد أن لاحظ أستاذها كورت ليفين Kurt Lewin، أثناء جلوسه في مطعم مزدحم في فيينا، لاحظ أن النوادل لديهم ذكريات أفضل لتذكر الطلبات غير مستخلصة الأجر. ولكن بمجرد دفع الفاتورة، واجه النوادل صعوبة في تذكر التفاصيل الدقيقة للطلبات المقدمة.

أبحاث زيجارنيك

في سلسلة من التجارب، طُلب من المشاركين إكمال مهام بسيطة مثل جمع خرز بواسطة خيط، أو تجميع قطع الأحجية، أو حل مشكلات الرياضيات. تمت مقاطعة نصف المشاركين أثناء أداء هذه المهام.

بعد تأخير لمدة ساعة، طلبت زيجارنيك من المشاركين وصف ما كانوا يعملون عليه. واكتشفت أن أولئك الذين لم يكملوا عملهم بعد كان لهم احتمال أكبر مرتين على تذكر ما كانوا يقومون به من أولئك الذين انتهوا من إنجاز المهام.

في إصدار آخر من التجربة، وجدت أن المشاركين البالغين كانوا قادرين على تذكر المهام غير المكتملة بنسبة 90 في المائة أكثر من المهام المنجزة. وتم وصف دراسات زيجارنيك الأولية في ورقة بعنوان “المهام المكتملة وغير المكتملة” نشرت في عام 1927. (تجدون هذه الورقة ضمن المراجع أسفل المقال)

أبحاث أخرى لاستكشاف هذا التأثير

خلال ستينيات القرن العشرين، اكتشف الباحث في مجال الذاكرة ألان باديلي Alan Baddeley هذه النتائج في إحدى التجارب. تم إعطاء المشاركين فترة زمنية محدودة لحل مجموعة من الألفاظ المقلوبة أو “anagrams”. عندما لا يتمكنون من حل اللفظ المقولوب “anagram” قبل انتهاء الوقت، تم إعطاؤهم الإجابة (الكلمة).

عندما طُلب من المشاركين لاحقًا تذكر الألفاظ المقلوبة، كانوا قادرين على تذكر الكلمات التي لم يحلوها بشكل أفضل. وهذا يدعم اكتشاف زيجارنيك أن الناس لديهم ذاكرة أفضل للمعلومات غير المكتملة أو التي تمت مقاطعتها.

البحوث المعارضة

ومع ذلك ، لم تدعم كل الأبحاث تأثير زيجارنيك. فقد فشلت بعض الدراسات في إظهار نفس التأثير، ووجد باحثون آخرون أن هناك مجموعة متنوعة من العوامل التي يمكن أن تؤثر على قوة التأثير. وعلى سبيل المثال، أظهرت الدراسات أن التحفيز يمكن أن يلعب دورًا رئيسيًا في مدى تذكر الناس للمعلومات.

كيف يحدث هذا التأثير؟

الذاكرة قصيرة المدى محدودة في كل من سعتها ومدتها. فعادة، لا يمكننا سوى الاحتفاظ بقدر معين من الأشياء في هذه الذاكرة، وحتى بعد أن يتم ذلك نحتاج إلى الاستمرار في تحفيز هذه المعلومات من أجل التمسك بها. وهذا يتطلب قدرا كبيرا من الجهد الذهني. وليس من المستغرب، كلما حاولت الاحتفاظ بقدر أكبر من المعلومات في ذاكرتك على المدى القصير، كلما كان من الصعب عليك جعل المعلومات تبقى على حالها.

على سبيل المثال، يجب أن يتذكر النوادل الكثير من التفاصيل حول الطلبات التي يقدمونها. ويجب أن تبقى هذه المعلومات حول ما طلبه الأشخاص وكذلك ما يشربونه في ذاكرتهم حتى ينهي العملاء وجباتهم.

للتعامل مع هذا الكم المتزايد من المعلومات، يعتمد الأشخاص غالبًا على عدد من الحيل الذهنية التي تسمح لهم بتذكر قدر كبير من المعلومات، وتأثير زيجارنيك هو واحد منها. نحن نحتفظ بالمعلومات على المدى القصير عن طريق سحبها باستمرار كل مرة إلى الوعي. فبالتفكير في المهام غير المكتملة، نكون قادرين على تذكرها بشكل أفضل حتى ننتهي من إنجازها.

لكن هذا التأثير لا يؤثر على الذاكرة قصيرة المدى وحدها، بل يمكن أن تستمر المهام غير المكتملة، مثل الأهداف التي لا يزال يتعين علينا الوصول إليها، في اختراق أفكارنا على مدار فترات زمنية طويلة.

يكشف لنا تأثير زيجارنيك الكثير عن كيفية عمل الذاكرة، فبمجرد إدراك المعلومات، يتم تخزينها غالبًا في الذاكرة الحسية لفترة قصيرة جدًا. وعندما ننتبه إليها، فإنها تنتقل إلى الذاكرة قصيرة المدى. ويتم نسيان العديد من هذه الذكريات قصيرة المدى بسرعة إلى حد ما، ولكن من خلال تنشطها بطريقة ما، يمكن لبعض هذه المعلومات الانتقال إلى الذاكرة طويلة المدى.

اقترحت زيجارنيك أن الفشل في إكمال المهمة يخلق توترًا إدراكيًا كامنًا. هذا يؤدي إلى بذل المزيد من الجهد الذهني من أجل الحفاظ على المهمة على مستوى الوعي. وبمجرد الانتهاء، يصبح العقل قادرًا على التخلي عن هذه الجهود.

كيف أستفيذ من هذا التأثير

أكثر من كونه مجرد ملاحظة مثيرة للاهتمام حول كيفية عمل الدماغ البشري، فإن تأثير زيجارنيك يمكن أن يكون له في الواقع آثار جيد على حياتك اليومية. يمكنك حتى استخدام هذه الظاهرة النفسية لصالحك.

قد يخبرك المنطق السليم بأن الانتهاء من مهمة هو أفضل طريقة للإقتراب من هدفك. إن تأثير زيجارنيك يشير إلى عكس ذلك، فمقاطعة العمل أثناء المهمة هي استراتيجية فعالة لتحسين قدرتك على تذكر المعلومات.

  • احصل على المزيد من جلسات الدراسة
    إذا كنت تدرس للامتحان، فقم بتقسيم جلسات الدراسة بدلاً من محاولة حشرها في الليلة السابقة للاختبار. من خلال دراسة المعلومات بشكل دوري، ستكون قادرا أكثر على تذكرها ليوم الاختبار.
    إذا كنت تكافح من أجل حفظ شيء مهم، فقد تعمل التوقفات اللحظية لصالحك. بدلاً من تكرار المعلومات بشكل مستمر، قم بمراجعتها عدة مرات ثم خد استراحة. فبينما تركز على أشياء أخرى، ستجد ذهنك يعود إلى المعلومات التي كنت تدرسها.
  • التغلب على المماطلة
    في كثير من الأحيان، يتم تأجيل المهام حتى اللحظة الأخيرة. ولسوء الحظ، يمكن لهذا أن يؤدي إلى الشعور بالتوتر، ويؤدي أيضًا إلى ضعف الأداء.
    طريقة واحدة للتغلب على التسويف هي تطبيق تأثير زيجارنيك في العمل. إبدأ باتخاذ الخطوة الأولى، مهما كانت صغيرة، وبمجرد أن تبدأ عملك – ولكن لم تنتهي بعد منه – ستجد نفسك تفكر في المهمة حتى تنتهي منها. قد لا تنهي كل شيء دفعة واحدة، ولكن كل خطوة صغيرة تتخذها تجعلك أقرب إلى هدفك النهائي.
    لا يساعدك هذا النهج في تحفيزك على الانتهاء من العمل فحسب، بل يمكن أن يؤدي أيضًا إلى الشعور بالإنجاز والرضى على ذلك.
  • توليد الاهتمام والانتباه
    يستخدم المعلنون والمسوقون أيضًا تأثير زيجارنيك لتشجيع المستهلكين على شراء المنتجات. على سبيل المثال، يقوم صناع الأفلام بإنشاء إعلانات لأفلامهم “trailers” بطريقة مصممة لجذب الانتباه عن طريق ترك التفاصيل الهامة. فيلفتون انتباه المشاهدين لكنهم يتركون الناس يريدون المزيد. من أجل الحصول على جميع التفاصيل، يجب على الناس بعد ذلك الخروج إلى شباك التذاكر أو شراء الفيلم بمجرد صدوره.
    البرامج التلفزيونية أيضا تستفيد من هذه الاستراتيجية. فغالبًا ما تنتهي الحلقات في لحظة تشويقية، تاركة مصير الشخصيات أو نتيجة الموقف دون حل. وهذا يدفع المشاهدين إلى انتظار الحلقات القادمة لمعرفة ما يحدث.
  • تعزيز الرفاه النفسي
    كما قد تتخيل، فإن تأثير زيجارنيك ليس بالضرورة مفيدًا دائمًا، فعندما تفشل في إكمال المهام، يمكن أن يغزو ذلك عقلك، ويتطفل على أفكارك ويخلق التوتر، وهذه الأفكار الغازية يمكن أن تؤدي إلى الشعور بالقلق وتساهم في اضطرابات النوم.
    ومع ذلك، يمكن أن يلعب التأثير أيضًا دورًا في التغلب على هذه الصعوبات. الأفكار المتكررة يمكن أن تحفز الناس على إنهاء المهام التي بدأوها. ويمكن أن يؤدي إكمال هذه المهام بعد ذلك إلى الشعور بالرضى، وتقدير الذات، والثقة بالنفس.

إقرأ أيضا

اترك تعليقا