الإزاحة : آلية دفاعية للتنفيس عن الغضب

الكاتب rachid
2٬810 مشاهدة

الإزاحة Displacement هي ميكانيزم دفاعي يتم خلاله نقل المشاعر السلبية من المصدر الأصلي للإنفعال إلى شخص أو كائن أقل تهديداً. ويتم إعادة توجيه المشاعر السلبية الناتجة عن مصدر الإنفعال نحو بديل أكثر ضعفًا.

وقد يأخذ هذا الهدف شكل شخص أو حتى كائن. كما يسمح هذا الدفاع للفرد بالتصرف بمشاعره بطريقة تقلل من فرص التداعيات السلبية.

أنظر المقال التالي : الإنفعالات وأنواع الإستجابة الإنفعالية

العدوان هو أحد الأمثلة الكلاسيكية لهذا الدفاع. فعندما يشعر الناس بالغضب ولكنهم لا يستطيعون توجيه هذا الغضب نحو مصدر إحباطهم، فإنهم ينقلون هذه المشاعر إلى شخص ما أو إلى شيء آخر. فالشخص الذي يغضب من مديره، على سبيل المثال، قد يأتي إلى المنزل ويغضب من زوجته. ويمكن للزوجة، بدورها، أن تزيح هذا الغضب تجاه أطفالهم، الذين سيقومون بعد ذلك بإخراج إحباطهم تجاه بعضهم البعض.

الميكانيزمات الدفاعية

عندما يشعر الناس بمشاعر سلبية، فإنهم يبحثون غالبًا عن طرق مختلفة للتعامل مع هذه المشاعر غير المرغوب فيها. وفي بعض الأحيان يكون الناس على دراية بأنفسهم وهم يقومون بذلك، ولكن في كثير من الحالات، يتم ذلك بشكل غير واعي.

الميكانيزمات الدفاعية هي طريقة واحدة للحد من القلق واستعادة التوازن. وتعمل هذه الدفاعات دون وعي للمساعدة في تقليل القلق من الأشياء التي يجدها الناس مهددة أو غير مقبولة. وفي حين أن المشاعر اللاشعورية قد تكون خارج الوعي، إلا أنها ما زالت قادرة على التأثير في السلوك وخلق القلق للفرد.

ففي حين قد يكون الرد على التهديد الأصلي غير مقبول أو خطيرًا، يجب أن يجد الشخص موضوعًا أقل تهديدًا ليكون بمثابة منفذ لإحباطه.

كيف تعمل الإزاحة

تخيل أنك قضيت يومًا سيئًا في العمل وتم توبيخك من قِبل مديرك. إن التنفيس عن غضبك أو إحباطك على رئيسك في العمل لن يكون شيئا حكيما، وقد يؤدي إلى فقدانك لوظيفتك. وبدلاً من ذلك، تحجب مشاعرك حتى تعود من العمل إلى المنزل، حيث تطلق العنان لإحباطاتك على شريكك.

ويتم إطلاق مشاعرك من الغضب في النهاية ولكن بطريقة غير مباشرة إلى حد ما. ومن المحتمل أن تكون عواقب الصراخ على شريكك أقل حدة من عواقب الصراخ على مديرك أو زملائك في العمل.

كما يمكن أن يختلف الكائن أو الشخص الذي يصبح موضوع مشاعر الإزاحة هذه، ولكن عادة ما يتم اختياره لأنه أقل تهديدًا أو حتى عاجزا تمامًا. فإذا كنت قد شعرت يومًا ما بالضيق تجاه شيء ما وتخلصت بعد ذلك من مشاعرك السلبية على صديق أو أحد أفراد أسرتك أو حتى شخص غريب تمامًا، فأنت تتمتع بتجربة مباشرة مع هذه الآلية الدفاعية المشتركة.

والشيء الذي يجب تذكره هو أنك لا تختار عن وعي التنفيس عن مشاعرك بهذه الطريقة. فقد تشعر بالضيق حيال شيء ما، عندما ينخرط شخص من حولك في أصغر حركة تؤدي إلى تحرير مفاجئ لعدوانك. ومع ذلك، فإن الحدث المثير عادة ما يكون ضعيفا نسبيًا، بينما يكون رد فعلك على هذا المثير غير متناسب تمامًا ومبالغا فيه. وعلى عكس استراتيجيات المواجهة الواعية التي نستخدمها لإدارة الإجهاد اليومي، تعمل الميكانيزمات الدفاعية على مستوى اللاشعور.

التاريخ

كانت ابنة فرويد ّآنا” هي التي وصفت لأول مرة عددا من الميكانيزمات الدفاعية الأكثر شهرة في كتابها “الأنا والميكانيزمات الدفاعية“. ولكنها لم تُدرج الإزاحة كأحد الميكانيزمات الدفاعية الأصلية.

وكما ذكرت لاحقًا أنه على الرغم من أن قائمتها الأصلية حددت بعض الدفاعات الأكثر بروزًا، إلا أنها تعتقد أن الميكانيزمات أبعد ما تكون عن التحديد. وعلى الرغم من أن الإزاحة ليست واحدة من الدفاعات الأصلية التي وصفها فرويد، إلا أنه يتم تحديدها في كثير من الأحيان من قبل المفكرين اللاحقين كآلية دفاعية مهمة بالنسبة لـ الأنا Ego.

وفي دراسة طولية مدتها 70 عامًا، وجد الباحثون أن الاستخدام التكيفي للميكانيزمات الدفاعية كميكانيزم الإزاحة له علاقة بالصحة البدنية الجيدة في وقت لاحق من الحياة. كما يشير الباحثون إلى أن استخدام الدفاعات الناضجة يلعب دورًا مهمًا في إنشاء علاقات اجتماعية قوية، والتي تساهم بدورها في تحسين الصحة والرفاه.

أمثلة حول الإزاحة

  • امرأة تتعرض للتوبيخ من رئيسها في العمل بسبب أدائها السيء أثناء تقديم الشركة لمستثمرين جدد. بعد العمل، تتوقف المرأة في مطعم محلي ثم تصرخ على النادلة بسبب خطأ صغير بناءً على طلبها.
  • تشعر أن زوجتك لم تساعد في الأعمال المنزلية. وعندما يبدأ أطفالك في الشكوى من كثرة الفروض المنزلية، تنفجر في غضب وتصرخ عليهم وتتهمهم بعدم المسؤولية.
  • امرأة تفقد وظيفتها وتشعر بالقلق إزاء قدرتها على دفع فواتيرها. وعندما تواجه صعوبة في العثور على وظيفة جديدة، فإنها تزيح مشاعر الإحباط والفشل على هيكلة مجتمعها، وتلقي باللوم عليهم لعدم قدرتها على العثور على عمل.

كما ترون من الأمثلة السابقة، فإن الغضب هو أحد الأمثلة الأكثر شيوعًا لهذا الميكانيزم الدفاعي. وفي بعض الأحيان ترتبط الأحكام المسبقة ضد بعض الفئات الاجتماعية بهذا الدفاع أيضًا.

على سبيل المثال، قد يكون العداء الذي شعر به الألمان تجاه الشعب اليهودي بعد الحرب العالمية الأولى مثالًا على مشاعر الغضب بسبب التداعيات الاقتصادية للحرب. فبدلاً من توجيه مشاعر الغضب هذه نحو تصرفاتهم أو حكومتهم، أعاد بعض الناس توجيه غضبهم نحو أهداف أقل تهديدًا.

المميزات

على الرغم من أن الإزاحة تمثل طريقة لإعادة توجيه المشاعر، وقد تؤدي إلى بعض العواقب، إلا أنه في بعض الحالات ليست بالأمر السيئ.

فاستخدام الميكانيزمات الدفاعية شائع وجزء طبيعي من العمل اليومي. وعند استخدامها بشكل مناسب، تعمل الميكانيزمات مثل الإزاحة على حمايتنا من المشاعر السلبية، وتساعد على تقليل خيبات الأمل، وحماية تقديرنا لذواتنا، وتنظيم مستويات التوتر. إلا أن الإفراط في استخدامها يرتبط أحيانًا بالضيق النفسي وسوء الأداء.

وهناك العديد من العوامل التي يجب مراعاتها حول استخدام الإزاحة كآلية دفاعية.

العمر

يميل الأطفال الصغار إلى أن يكونوا أكثر تعبيرا عن مشاعرهم بشكل مباشر، وبالتالي هم أكثر عرضة للتعبير عن مشاعرهم تجاه الهدف الأصلي ومواجهته، بغض النظر عن مدى ملاءمة الاستجابة. فعلى سبيل المثال، من المحتمل جدًا أن يصرخ الطفل البالغ من العمر أربع سنوات ببساطة على أحد الوالدين عندما يكون منزعجًا. من ناحية أخرى، البالغ من العمر 14 عامًا قد يفرغ إحباطه عن طريق الشجار مع إخوته الصغار.

الشدة

قد تثير المشاعر المزعجة المزيد من الإنفعال نحو الهدف البديل. وقد يتم التعبير عن ذلك بشكل غير مناسب، مثل الشعور بالرغبة في ضرب شخص ما، كما يمكن أن تظهر في وقت لاحق على شكل فورة إنفعالية مشحونة للغاية، مثل الصراخ على الزوج.

التكرار

يتمتع كل شخص تقريبًا على الأقل ببعض الخبرة في إخراج الإنفعالات السلبية على هدف ثانوي، سواء أكان تجاه صديق أو تجاه الشريك. وعلى الرغم من أن رد الفعل هذا طبيعي من وقت لآخر، إلا أنه يمكن أن يتخطى الحدود إلى سلوك غير لائق أو حتى مسيء إذا كان الشخص يعتمد على هذه الميكانيزمات الدفاعية للتعامل مع جميع مشاكله الإنفعالية.

لقد وجدت الدراسات أن الإزاحة كآلية دفاع أكثر شيوعًا بين الرجال منه من النساء.

التسامي

يقول فرويد أن نوعًا فرعيًا من الإزاحة يعرف باسم التسامي Sublimation يمكن أن يكون مصدرًا مهمًا للإبداع والإلهام. ووفقًا لفرويد، فإن التسامي ينطوي على إزاحة الدوافع الجنسية غير مقبولة إجتماعيا إلى أنشطة غير جنسية تكون مثمرة ومقبولة اجتماعيًا. إن التسامي يحث نحو مساعٍ أخرى مثل العمل ويوجه هذه الطاقة بطريقة مفيدة.

ما الذي تستطيع القيام به؟

إن استخدام الإزاحة كآلية دفاعية هو أمر يركز عليه المعالجون أو الأخصائيون على مدار فترة العلاج النفسي. إنه أيضًا شيء قد ترغب في البحث عنه في سلوكك الخاص. ففي حين أنه ليس ضارًا دائمًا، إلا أن الاعتماد المفرط على هذا النوع من الدفاع يمكن أن يشكل مشكلة. وهناك خطوات يمكنك اتخاذها للتأكد من أنك تستخدم الإزاحة بطريقة صحية.

التقييم

واحدة من الخطوات الأولى هي النظر في الأفعال التي قد تكون ناتجة الإزاحة. وهذا يمكن أن يكون في كثير من الأحيان صعبا للغاية. فالإزاحة ليست شيئًا يمكن مشاهدته بسهولة. لذلك قد يقوم المعالج بالبحث عن التناقضات بين كلماتك ولغة جسدك أو إشارات أخرى وسلوكياتك.

على سبيل المثال، أنت تقول أنك لا تمانع على أن تعمل زوجتك في وقت متأخر من الليل وعطلات نهاية الأسبوع، لكن لغة جسدك وسلوكياتك قد تحكي قصة أخرى. قد تكون على شكل نوبات غضب قصيرة تجاه أطفالك كل مساء، حيث تزيح إحباطك تجاه أطفالك بدلاً من زوجتك.

الانعكاس

الانعكاس Reflection هو استراتيجية قد يستخدمها المعالجون على مدار فترة العلاج لمساعدة العملاء في التعرف على مظاهر الإزاحة عندهم. وقد يعكس المعالج مشاعر العميل لتعود لهذا الأخير، وغالبًا بطريقة تشجع العميل على التفكير في ما يقولوه حقًا. على أمل جعل العميل يحدد بعض المخاوف أو الإهتمامات الأخرى التي ربما لعبت دوراً في سلوكه.

أنظر المقال التالي : ماذا تعرف عن العلاج النفسي؟

على سبيل المثال، قد تعبر المرأة عن غضبها من زميلها في العمل. في النهاية، قد تكشف العميل عن أحد مخاوفها الأساسية : المدير الجديد لا يعترف بمواهبها وجهودها في المكتب. وبدلاً من التعبير عن هذا الإحباط على رئيسها (وهو هدف غير مناسب وأكثر تهديداً)، فإنها توجه إحباطها لزميلها في العمل.

إعادة الصياغة

بمجرد أن تبدأ في التعرف على حالات الإزاحة غير الصحية في حياتك، فإن الخطوة التالية هي البحث عن طرق هادفة لتغيير تفكيرك وسلوكك. وعندما تجد نفسك منخرطًا في سلوكيات غير قادرة على التكيف قد تكون ناتجة عن الإزاحة، حاول إعادة صياغة الموقف والبحث عن منفذ أكثر صحة لمشاعرك.

على سبيل المثال، إذا كنت تصرخ على زوجتك للتخلص من إحباطاتك في العمل، فتراجع واستغرق لحظة لاستعادة السيطرة. وأبذل جهدًا واعيا لإعادة توجيه مشاعرك نحو هدف أكثر ملاءمة. وقد تتضمن المنافذ البديلة تدوين مشاعرك أو ممارسة التمارين الرياضية أو هواية منتجة.

إقرأ أيضا

اترك تعليقا